الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

387

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

منهم إشارة موجزة " مكثفة " للاستنتاج والعبرة ! في البداية تقول الآية : وإلى مدين أخاهم شعيبا ( 1 ) . والتعبير بكلمة " أخاهم " كما قلنا مرارا ، هو إشارة إلى منتهى محبة هؤلاء الأنبياء إلى أممهم ، وإلى عدم طلبهم السلطة ، وبالطبع فإن هؤلاء الأنبياء كانت لهم علاقة قرابة بقومهم أيضا . و " مدين " مدينة واقعة جنوب غربي الأردن ، وتدعى اليوم ب‍ " معان " وهي في شرق خليج العقبة ، وكان شعيب ( عليه السلام ) وقومه يقطنون فيها ( 2 ) . وشعيب كسائر أنبياء الله العظام ، بدأ بالدعوة إلى الاعتقاد بالمبدأ والمعاد ، وهما أساس كل دين وطريقة فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر . فالإيمان بالمبدأ يكون سببا لإحساس الإنسان بأن الله يراقبه مراقبة دقيقة بشكل دائم ويسجل أعماله ، والإيمان بالمعاد يذكر الإنسان بمحكمة عظيمة يحاسب فيها عن كل شئ وكل عمل مهما كان تافها . . . ومن المسلم أن الاعتقاد بهذين الأصلين له أثره البالغ على تربية الإنسان وإصلاحه ! . والمبدأ الثالث هو بمثابة خطة عمل جامعة ، تحمل بين طياتها جميع الخطط الاجتماعية ، إذ قال : ولا تعثوا في الأرض مفسدين . وللفساد مفهوم واسع يشمل كل نقص انحراف ، وتدمير ، وظلم . . الخ . . ويقابله الصلاح والإصلاح ، ومفهومهما يشمل جميع الخطط البناءة ! . أما كلمة " تعثوا " فهي من مادة " عثى " ومعناه إحداث الفساد أو الإفساد ، غاية ما في الأمر أن هذا التعبير كثيرا ما يستعمل في الموارد التي تكون فيها " مفاسد أخلاقية " ، فعلى هذا يكون ذكر كلمة " مفسدين " بعدها تأكيدا على هذا

--> 1 - هذه الجملة معطوفة على جملة " ولقد أرسلنا نوحا " . 2 - ورد الكلام على مدين في ذيل الآية ( 23 ) من سورة القصص في هذا الجزء بإسهاب .